الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

233

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والاستفهام في قوله : فِيمَ كُنْتُمْ مستعمل للتقرير والتوبيخ . و ( في ) للظرفية المجازية . و ( ما ) استفهام عن حالة كما دلّ عليه ( في ) . وقد علم المسؤول أنّ الحالة المسؤولون أنّ الحالة المسؤول عنها حالة بقائهم على الكفر أو عدم الهجرة . فقالوا معتذرين كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ . والمستضعف : المعدود ضعيفا فلا يعبأ بما يصنع به فليس هو في عزّة تمكّنه من إظهار إسلامه ، فلذلك يضطرّ إلى كتمان إسلامه . والأرض هي مكة . أرادوا : كنّا مكرهين على الكفر ما أقمنا في مكة ، وهذا جواب صادق إذ لا مطمع في الكذب في عالم الحقيقة وقد حسبوا ذلك عذرا يبيح البقاء على الشرك ، أو يبيح التخلّف عن الهجرة ، على اختلاف التفسيرين ، فلذلك ردّ الملائكة عليهم بقولهم : أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ، أي تخرجوا من الأرض التي تستضعفون فيها ، فبذلك تظهرون الإيمان ، أو فقد اتّسعت الأرض فلا تعدمون أرضا تستطيعون الإقامة فيها . وظاهر الآية أنّ الخروج إلى كلّ بلد غير بلد الفتنة يعدّ هجرة ، لكن دلّ قوله : مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ النساء : 100 ] أنّ المقصود الهجرة إلى المدينة وهي التي كانت واجبة ، وأمّا هجرة المؤمنين إلى الحبشة فقد كانت قبل وجوب الهجرة ؛ لأنّ النبي وفريقا من المؤمنين ، كانوا بعد بمكة ، وكانت بإذن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا ردّ مفحم لهم . والمهاجرة : الخروج من الوطن وترك القوم ، مفاعلة من هجر إذا ترك ، وإنّما اشتقّ للخروج عن الوطن اسم المهاجرة لأنها في الغالب تكون عن كراهية بين الراحل والمقيمين ، فكلّ فريق يطلب ترك الآخر ، ثم شاع إطلاقها على مفارقة الوطن بدون هذا القيد . والفاء في قوله : فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ [ النساء : 97 ] تفريع على ما حكى من توبيخ الملائكة إيّاهم وتهديدهم . وجيء باسم الإشارة في قوله : فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ للتنبيه على أنّهم أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة من أجل الصفات المذكورة قبله ، لأنّهم كانوا قادرين على التخلّص من فتنة الشرك بالخروج من أرضه . وقوله : إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ استثناء من الوعيد ، والمعنى إلّا المستضعفين حقّا ، أي العاجزين عن الخروج من مكة لقلّة جهد ، أو لإكراه المشركين إيّاهم وإيثاقهم على البقاء :